حيدر حب الله
131
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
والإنصاف أن بعض الفقهاء - ومنهم الإمام الخميني - اعتبروا إجماع الطوسي أيضا موهونا بمعارضته إجماع غيره ، ولهذا شكّكوا في وجود إجماع شيعي حول هذا الموضوع معتبرينه مسألة خلافية غير متّفق عليها « 1 » ، ورغم الإجماعات ، يرى الخراساني ( 1329 ه ) صاحب الكفاية - يتابعه المحقق الإيرواني ( 1345 ه ) - أن ثمة خلافات حقيقية في التفاصيل بين القائلين بحجية الخبر ، ولهذا لا يمكن الأخذ بإجماعهم المحصّل أو المنقول ، بل إن الاتفاق على الحجية في الجملة يبدو أن دون إثباته - عنده - خرط القتاد كما يصرّح « 2 » . وبهذا يظهر أن العلماء المتأخرين لم يتمكّنوا - جميعهم - من الجزم بانعقاد إجماع شيعي على مسألة حجية الخبر رغم أنهم قائلون بالحجية ، وما يجعلنا نفهم تركيزهم على إجماع المرتضى أكثر من إجماع الطوسي في معركة توهين الإجماعات المدّعاة هو أنهم - أي المتأخرين - قائلون بحجية خبر الواحد ، لذا كان من المطلوب منهم ردّ إجماع المرتضى ، أما إجماع الطوسي فلم يكونوا بحاجة ملحّة إليه ما دامت آية النبأ والسيرة العقلائية هما أهم مدارك الحجية عندهم . أما العلماء الذين أصرّوا على تصحيح مقولة الطوسي ، لا فقط ردّ مقولة المرتضى ، كما فعله الشيخ الأنصاري ، فقد تقدّموا خطوة أكثر عمقا بذهابهم إلى تجميع قرائن تنتصر لإجماع الطوسي ، وسنمرّ عليها قريبا بإذن اللّه في طيّات المعزّزات القادمة . وبهذا ظهر أنّ هذا ليس معزّزا ما دام متساوي النسبة إلى الطرفين . المعزّز الثاني : إن إجماع الطوسي معزّز بإجماعات أخرى مدّعاة من قبل جهابذة العلماء ، كما ذكره الأنصاري في « فرائد الأصول » « 3 » ، والإجماعات الأخرى هي : 1 - الإجماع الذي نقله السيّد رضي الدين علي بن موسى بن طاوس ( 664 ه ) ، وهو إجماع ينسبه ابن طاوس إلى الطوسي وغيره لا فقط إلى الطوسي ، مما يعطيه مزية زائدة ، قال ابن طاوس - فيما حكاه في الفرائد - : « ولا يكاد تعجبي ينقضي كيف اشتبه عليه - أي المرتضى - أن الشيعة تعمل ( لا تعمل ) بأخبار الآحاد في الأمور الشرعية ؟ ! ومن اطّلع على التواريخ والأخبار وشاهد عمل ذوي الاعتبار ، وجد المسلمين والمرتضى وعلماء
--> ( 1 ) - انظر : الإمام الخميني ، تنقيح الأصول 3 : 190 - 191 ؛ وراجع : المحقّق الإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 274 ؛ والشاهرودي ، نتائج الأفكار 3 : 237 - 238 ؛ وأبو الحسن الأصفهاني ، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول : 520 ؛ والشيرازي ، أنوار الأصول 2 : 461 ؛ والمؤمن القميّ ، تسديد الأصول 1 : 101 . ( 2 ) - الخراساني ، كفاية الأصول : 347 ؛ وانظر : المحقّق الإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 274 . ( 3 ) - الشيخ الأنصاري استعرض الإجماعات المدّعاة دون أن يقول بأن الثلاثة الأخيرة تدعم الأوّل ، لكن مآل كلامه إلى ذلك أيضا .